الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
109
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الواقعية بالنظر إلى ملاحظة قولهم الشيء في نفسه وليست حاصلة بالنهي فما تعلق النهي به مستحيل قبل تعلقه قلت ثبوت الأحكام الشرعية إنما يتبع الأدلة المنصوبة عليها من الشارع فلو لا تعلق النهي بها كانت محكومة بصحتها في الشريعة نظرا إلى إطلاق الأوامر بعد ثبوت الماهية بظاهر الأدلة الشرعية وإنما يحكم بفسادها من جهة تعلق النهي بها فالقاضي بفسادها عندنا واستحالة وقوعها صحيحة في ظاهر الشرع إنما هو النهي عنها ويشكل ذلك بأن المفروض كون النهي المتعلق بذلك للتحريم والمفروض استحالة وقوع ذلك المحرم في الخارج بحسب الواقع سواء نهى عنه الشارع أو لا فيكون الحكم بحرمته هذا فلا فائدة إذن في النهي سوى إعلام المكلف بذلك من تعلق النهي به فلا يكون النهي إلا إرشاديا هذا خلف ويمكن دفعه بالفرق بين إيقاع الفعل بحسب قصد الفاعل وملاحظة إيقاعه ووقوعه بحسب الواقع توضيح ذلك أن هناك حصولا للطبيعة في ضمن الفرد بحسب الواقع واعتبار من الفاعل لإيجادها في ضمنه وهو لا يستلزم الحصول بحسب الواقع فإن ذلك إن صادف الإتيان به في ضمن ما هو من أفراده بحسب الواقع كان هناك حصول لتلك الطبيعة بحسب الواقع وإلا فلا والمنهي عنه في المقام إنما هو الثاني دون الأول فإن قلت إن ظاهر النهي بحسب الوضع هو طلب ترك نفس الطبيعة لا ترك القصد إلى إيقاعها في الخارج ولو في ضمن ما ليس بمصداقها وحمله على ذلك مجاز أيضا يأبى عنه شيوع تلك الاستعمالات قلت المقصود أن أسامي العبادات موضوعة بإزاء الصحيحة والأفعال المطلوبة بالشريعة فإذا وقعت متعلقة للنهي فالظاهر أيضا تعلق النهي بتلك الأفعال غاية الأمر أنه يرتفع عنه المطلوبية من جهة تعلق النهي بها فمفاد تلك النواهي حرمة أداء ما يصح قبل النهي بعد تعلقه بها فمادة النهي إذن مستعملة فيما وضعت له إلا أنه يلزم من تعلق النهي بها خروج المنهي عنه عن كونه مصداقا لما وضع المبدأ له والمتحصل من ذلك هو حرمة الفعل الملحوظ به أداء تلك العبادة الشرعية فكما أن الواجب قبل تعلق النهي هو الفعل الملحوظ به أداء العبادة الملحوظة فكذلك هو المحرم بعد تعلق النهي به إلا أنه يلزم الفساد في الثاني والخروج عن كونه مصداقا لتلك الطبيعة بحسب الواقع هو أمر آخر لا مدخل له بما استعمل اللفظ فيه حتى يلزم استعماله في غير ما وضع له وأما ثانيا فبالتزام التجوز في النواهي الواردة بحملها على إرادة الفساد دون التحريم لما ذكر من امتناع حصول الصحيحة فلا يتجه الحكم بتحريمها فالمقصود عن تلك النواهي الدلالة على فساد تلك الأعمال اللازمة من دلالتها على عدم مطلوبيتها ولذا تكرر في كلام الشارع بيان الموانع عن الصحة بالنواهي في العبادات والمعاملات على نحو بيانه الأجزاء والشرائط بالأوامر والظاهر أن ذلك طريقة جارية في مخاطبات العرف أيضا في أمثال تلك المقامات فمفاد تلك النواهي عدم حصول تلك الطبائع المقررة في ضمن ما تعلق النهي به فالألفاظ المذكورة مستعملة في خصوص الصحيحة من غير حاجة إلى صرفها من ذلك فيجيء تحريم الإتيان بما تعلق النهي من جهة البدعة خاصة لا لحرمته في نفسه مع قطع النظر عن كونه بدعة إلا أن يقوم شاهد عليه والقول بأن البناء على وضع تلك الألفاظ للصحيحة لما كان مستلزما للخروج عن مقتضى وضع الصيغة في الاستعمالات المذكورة كان ذلك مدفوعا بالأصل موهون بما عرفت من عدم جواز إثبات الأوضاع التوقيفية بمثل تلك الأصول ولذا لم يتداول بينهم إثبات شيء من الأوضاع بذلك في سائر المقامات مضافا إلى لزوم الخروج عما يستظهر من المادة بناء على القول بوضعها للأعم لتبادر الصّحيحة منها ولو من جهة الإطلاق فالالتزام بالخروج عن ظاهر الإطلاق حاصل على القول المذكور أيضا فأي بعد إذن في الخروج عن ظاهر وضع الصيغة سيما مع دورانه في الاستعمالات في أمثال تلك المقامات فتأمل هذا وقد يلتزم بالتجوز في أسامي العبادات المتعلقة للنهي نظرا إلى كون تعلق النهي بها قرينة على إطلاقها على الفاسدة فيراد بها صورة تلك العبادة مما يطلق الاسم عليه بحسب استعمال المتشرعة واستبعاد التجوز في تلك الاستعمالات غير متجه سيما مع انضمام القرينة وعدم شيوع استعمالها كذلك لورودها في موارد مخصوصة والاستناد إلى الأصل في دفع التجوز في الاستعمالات المذكورة قد عرفت ما فيه لكن مع البناء على ذلك يلزم القول بحرمة الإتيان بما يطلق عليه اسم تلك العبادة بحسب العرف وإن لم يأت به الفاعل بملاحظة كون العبادة المطلوبة وهو مشكل بل لا يبعد استظهار خلافه وهذا مما يرد على القائل بوضعها للأعم أيضا إلا أن يبنى فيه على التقييد وهو مع مخالفته للأصل خلاف المنساق من العبادة كما عرفت ففي ذلك تأييد لما قررناه من الوجهين المتقدمين ثالثها أنها لو كانت موضوعة للصحيحة لزم التزام أحد أمرين في لفظ الصلاة من القول باختصاصه بواحدة من الصور ويكون غيرها من سائر صورها غير مندرجة في الصلاة إلا أنها تنوب منابها وتقوم مقامها في إسقاط التكليف بها أو القول بثبوت ماهيات متعددة متباينة للصلاة فوق حد الإحصاء والتالي بقسميه باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فلأن ماهية الشيء عبارة عما يكون به الشيء هو فلا بد أن يكون أمرا محققا في نفس الأمر متعينا في حد ذاته ولا يكون تابعا لاعتبار المعتبر بحيث يزيد أجزاء وينقص بمجرد الاعتبار وإذا وضع اللفظ بإزائها فلا بد أن يلاحظ الواضع تلك الماهية على نحو يتعين ويتميز عما سواها وحينئذ إذا انتفي شيء من أجزائها أو شرائطها المعتبرة فيها يلزم انتفاء تلك الماهية وخروجها من الموضوع له فإذا كانت الصلاة أسماء لماهية معينة محدودة مكيفة بشرائط عديدة فيلزم من ذلك انتفاؤها بانتفاء جزء منها أو شرط كما هو قضية ما مهدناه ويعترف به القائل بكونها أسامي للصحيحة فنقول حينئذ لا شك أن الصلاة يختلف أجزاؤها بحسب أحوال المصلين فلها بالنسبة إلى الحاضر أجزاء وبالنسبة إلى المسافر أجزاء وكذا بالنسبة إلى القادر والعاجز إلى اختلاف مراتب العجز وكذا بالنسبة إلى المتذكر والساهي على اختلاف أنحاء السهو الواقع منه وكذا الحال بالنسبة إلى شروطها إلى اختلاف المراتب في القدرة والعجز والسهو والنسيان فقد تحصل إذن ماهيات كثيرة غير محصورة مختلفة في المقومات والأجزاء والشرائط المعتبرة فإن قيل بكون الصلاة أسماء للجامع بجميع تلك الأجزاء والشرائط لا غير لزم خروج الباقي عن الصلاة حقيقة فيكون أجزاؤها عن الصلاة لنيابتها عنها وهو اللازم الأول وإن قيل بوضعها لكل من تلك الحقائق المختلفة الخارجة عن حد الإحصاء فهو اللازم الثاني وأما بطلان اللازم بقسميه فأما الأول فظاهر لاتفاق الكل على فساده وأما الثاني فلوجهين أحدهما أنه خارج عن الطريقة الدائرة في الأوضاع إذ التسمية للماهيّات ووضع الألفاظ بإزاء المعاني إنما يكون بعد تعينها